ابن الجوزي

105

بستان الواعظين ورياض السامعين

ومن فيها والأرضون ومن عليها ، غلظ كل جلال خمسمائة عام ، فإذا فتح منها الأبواب رفعت تلك الحجب من عليها ورمت النفط والقطران وحجارة الكبريت ويخرج منها عنق من نار أسود فيلتقط من الموقف كل ذهب وفضة وياقوتة وزبر جدة ولؤلؤة استعدت لزينة الدنيا . [ 178 ] زينة الدنيا الزائلة فيأخذ الكل ويجمعه والجبار جلّ جلاله يقول لها : اتركي ما لم يكن لنا فكل ما كان من زينة لم يرد به وجه اللّه تعالى أخذته النار ، ومناد ينادي أصحابها : هذه زينتكم التي اشتغلتم بها عن طاعة اللّه عز وجل وآثرتموها على ما عند اللّه ولم تتبعوا سنن النبيين ، ولا سير الصالحين . ثم ينادي المنادي : اتبعوا زينتكم ، فتخرج عنق من النار مرة أخرى فتلتقط أصحابها إلّا من رحم اللّه . [ 179 ] صاعقة جهنم فعند ذلك يقول كل عبد وأمة : يا ليت هذا كله جعلته في جنب اللّه ، يا ليته لم يكن معي ، يا ليته بعد عني ، ثم يأمر اللّه تعالى أن ترتفع صاعقة من جهنم سوداء فتسودّ وجوه أقوام من الرجال والنساء ، وتعمى أبصار قوم من الرجال والنساء ، وتختم على أفواه قوم من الرجال والنساء ، فذلك قول اللّه عز وجل : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ [ آل عمران : 106 ] يا أخي يا مسكين يا ضعيف اليقين مثلي أتراك من أي الفريقين تكون ؟ ! أمن الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الملك الرحيم ، أو من الذي اسودت وجوههم في العذاب الأليم ؟ أفهل تكون من الذين ابيضّت وجوههم بالرحمة ، أم من الذين اسودّت وجوههم بالنقمة ؟ فكل من اسودّ وجهه قد أيقن بالنار ، وكل من ابيضّ وجهه قد أيقن أنه من أهل دار القرار ، فيا لها من فرحة ما أعظمها ، ويا لها من مصيبة ما أدومها ، فإذا نزل السواد في وجه من شاء اللّه تبارك وتعالى صار ذلك السواد حجابا بينه وبين النظر إلى وجه مولاه ، وإذا نزل البياض في وجه من أراد اللّه تبارك وتعالى يبيضّ وجهه رفع ذلك النور حجاب الذنوب الذي يحجب العبد عن النظر إلى وجه علّام الغيوب . [ 180 ] من ابيضّ وجهه وذلك أن البياض نور المغفرة ، وهو نور الرحمة ، وهو نور القرب ، وهو نور